dimanche 17 janvier 2021
vendredi 15 janvier 2021
mercredi 13 janvier 2021
vendredi 8 janvier 2021
ضرورة مواساة المبتلى
المواساة
في الهدي النبوي
في الساحلين وصلنا في آخر إحصائية إلى وفاة 27 من أبناء المدينة رحمهم الله
أي 27 عائلة فقدت عزيزا عليها قد يكون أبا أو أما أو أخا أو أختا أو ابنا أو بنتا
وهذه العائلات لها أقارب في الدم وفي الأخوة الإسلامية
وهذه العائلات في حاجة شديدة إلى المواساة وشد الأزر لتحمل المصيبة
المفاجئة التي حلت بهم
مواساة روحية تعاني من فقدانها جميع العائلات المنكوبة تملأ قلوبهم أيمانا ورضا بقضاء الله وقدره
وربما أيضا مواساة مادية لفقد أب ينفق على أفراد العائلة أو أم أو أخ
وهذا دور الأقارب والجيران أيضا والأحباب والأصدقاء
لا نتركهم لوحدهم يعانون الألم بل تجب الإحاطة بهم والدعاء لهم ومساعدتهم
فكم من عائلة لها مريض في حالة حرجة تبحث عن من يتبرع بالدم ولا تتتخيلوا
مقدار فرحتها لما يهتف لها قريب أو صديق ويعلمها بأنه قد تبرع
وكم من عائلة لها أب ينفق وله عيال
وقع له حادث شغل فمات فاحتارت ولها تتصوروا مقدار فرحها لما تجد من يساعدها على
القيام بالاجراآت الإدارية لنيل حقها أمام القضاء
وكم من عائلة فقدت قريبا اثر وفاته فجأة بالوباء عافاكم الله ولا تتصوروا
كم يخف حملها لما ترى الأقارب يساعدون ويحيطون ويدعون للميت ويفرغون جبالا من
الصبر في قلوب أهل الميت
مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى
رسول الله قدوتنا لنستمع لقصته مع سيدنا جابر بن عبد الله يرويها جابر
بنفسه يواسيه رسول الله لأنه فقير ومحتاج
فعَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في طريق فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا، فَأَتَى
عَلَيَّ النَّبِيُّ فَقَالَ: «جَابِرٌ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا
شَأْنُكَ؟»، قُلْتُ: أَبْطَأَ عَلَيَّ جَمَلِي وَأَعْيَا،. ثُمَّ قَالَ:
«ارْكَبْ»، فَرَكِبْتُ،. قَالَ: «تَزَوَّجْتَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «بِكْراً
أَمْ ثَيِّباً؟»، قُلْتُ: بَلْ ثَيِّباً، قَالَ: «أَفَلاَ جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا
وَتُلاَعِبُكَ؟»، قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ
امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ. قَالَ: «أَمَّا
إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ، فَالكَيْسَ الكَيْسَ». ثُمَّ قَالَ:
«أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ
قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْنَا إِلَى
المَسْجِدِ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ. قَالَ: «آلْآنَ قَدِمْتَ؟»،
قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَدَعْ جَمَلَكَ، فَادْخُلْ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَأَمَرَ بِلاَلاً أَنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً، فَوَزَنَ
لِي بِلاَلٌ، فَأَرْجَحَ لِي فِي المِيزَانِ. فَقَالَ: «ادْعُ لِي جَابِراً»،
قُلْتُ: الآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ
مِنْهُ، قَالَ: «خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ»" [1]
. لقد
علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف بصورة عملية العديد من
آداب المواساة، ونستعين بالله عز وجل على ذكر بعضها: 1
- الأدب
الأول: فقه الاختيار لمن يستحق المواساة: لقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم من
يواسيه فوقع اختياره على جابر رضي الله عنه لعدة اعتبارات: الاعتبار الأول: جابر
رضي الله عنه ممن قال الله سبحانه وتعالى فيهم: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ
أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ
يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ
لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ } [البقرة من الآية:273]. فهو أولاً من
صالحي الأنصار الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم وله بهذه النصرة حقٌ عظيمٌ.
الاعتبار الثاني: جابر هو ابن الأنصاري الجليل
عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه، وله مواطن مشرفة، ومناقب عظيمة
ختمها بالشهادة في سبيل الله عز وجل، ومن حِفظ العهد بالرجل أن يُحْفظَ في أبنائه
وبناته. وعائلة جابر رضي الله عنه كلها عائلة جليلة في الإسلام، ولها جهد في
الدفاع والنصرة عن الدعوة، ولا يليق لمن كان هذا حاله أن يُتْرَك لنوائب الحق بلا
معين له عليها، فحفظ النبي صلى الله عليه وسلم العهد لعبد الله رضي الله عنه في
ولده جابر صلى الله عليه وسلم.
الاعتبار الثالث: أنَّ جابراً رضي الله عنه ممن
يستعين بما رزقه الله عز وجل على أعمال البر والصلاح وحُقّ لمن كان هذا حاله أن
يُعَانَ على مقتضياتِ المروءة، ومنها إعانته على القيام بحق أخواته البنات
اليتيمات
. 2- الأدب
الثاني: صيانة ماء الوجه: لقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يواسيَ جابراً رضي
الله عنه، ولكنَّه أراد أن يصوغ الأمر بصورة يصون بها ماء الوجه لجابر، وتظهر هذه
الصيانة لماء الوجه في عدة أمور، وهذه أهمها: أولاً: أعطى النبي صلى الله عليه
وسلم جابراً بغير أن يطلب العطاء تصريحاً أو تعريضاً، وبغير أن يظهر حاجته بصورة
ما.
ثانياً:
تلطَّف النبي صلى الله عليه وسلم معه في الحوار، وقدّم بمسامرته في موضوع الزواج
وهو موضوع لا علاقة لها بالعطاء البتة.
ثالثاً: قدَّم
له العطاء في صورة تجارية؛ كأنَّه يريد أن يشتري منه جملاً، وليس راغباً في عطائه
ومواساته.
رابعاً: لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً
بذلك البتة، فهذه الحادثة لم يروها غير جابر وحده.
فتأمَّل رحمني اللهُ وإياك سمو هديه صلى الله
عليه وسلم في كيفية الصيانة لماء وجه من يواسيهم، ألا فثواب الصيانة لماء الوجه
أعظم من ثواب المواساة نفسها! فأين هؤلاءِ الأجلافُ الغلاظُ الذين يريقون ماء
الوجه لمن يحتاجون إلى العون والمساعدة من هذه الرقة النبوية، والحفاظ على المشاعر
لمن يحتاجون للمواساة!
فيا من تزعم أنَّك تخشى الله وترجو رحمته ألا
فلتعلم أن تحدّثك بالنفقة والتطوع والمواساة والمعروف يباعدك من رحمة الله سبحانه
وتعالى، ويقربك من سخطه، وعقابه، وعظيم عذابه عياذاً بالله. ألا إنَّ إيذاء
المحتاجين للمواساة بأيِّ نوع من الأذى، أو جرح مشاعرهم بأي صورة مهما دقّت ليس
فقط إحباطاً للثواب؛ بل يجلب على صاحبه عذاباً أليماً، وعقاباً مهيناً عياذاً
بالله عز وجل، وصدق الله إذ يقول:{قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن
صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّـهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ . يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي
يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ
صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّـهُ لَا
يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:263-264].
وكما جاء
في الحديث عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ:
«ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» . قَالَ:
"فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ثَلَاثَ مِرَاراً". قَالَ أَبُو ذَرٍّ:
"خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟". قَالَ:
«الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»
[2]. فانظر بأيِّ عذابٍ قد توعَّد اللهُ سبحانه وتعالى هؤلاءِ المنَّانين،
والمؤذين لمن احتاجوا المواساة: لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولهم
عذاب أليم عياذاً بالله.
أليس يجدر
بنا أن نحول هذا الهدي النبوي إلى منهج نسير عليه! فوالله لا خير في الكلام -تلفظه
وكتابته ونشره- ما لم يكن واقعاً عملياً نسير عليه، وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم
إذ يقول: «وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو
فَبَائعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» [3]. ألا فمن علم وعمل فقد أعتق
نفسه، وكان القرآن له حجة، نسأل الله بوجهه الكريم أن نكون منهم، ومن علم ولم يعمل
فقد أوبق نفسه، وكان القرآن حجة عليه، نعوذ بالله أن نكون منهم. والآن فقد علمت
فاختر لنفسك الطريق، فأنت وحدك من تتحمل النتيجة..
الخطبة 2
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة
حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم
مستشفى
الساحلين في حاجة للترميم وهذا دورنا واكيد هي صدقة في سبيل الله
من أراد أن
يتطوع فليتصل برئيس جمعية التضامن الاجتماعي الأخ صالح عطية أ والكاتب العام علي
بديرة يقدم تبرعه مقابل وصل أو يقوم بتحويل المبلغ عبر البنك التونسي بالساحلين
جمعية التضامن بالساحلين
jeudi 7 janvier 2021
samedi 5 décembre 2020
jeudi 3 décembre 2020
ناصر عزيز- مرتبة الاحسان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ
الاحسان
الإحسان مشتق من
«الحُسن» الذي هو الجمال والبهاء لكل ما يصدر من العبد من خطرات ونبرات وتصرفات،
وهو أعلى مقامات الرفعة الإنسانية والمفتاح السحري لكل أزماتها وجسر سعادتها
الأبدية، وكفى الإحسان شرفا أن البشرية جمعاء اتفقت على حبه ومدحه وأجمعت على كره
ضده من كافة صنوف الإساءة، ولذلك أولى الإسلام الإحسان عناية بالغة وجعله أسمى هدف
تصبو إليه نفوس العابدين، وهو طريق الوصول لمحبة الله تعالى ومعيته ورحمته، بل
ورؤيته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، في جنة الخلد، في
مقعد صدق عند مليك مقتدر.
من أبلغ الأقوال في
الإحسان قول من أوتي جوامع الكلم –صلى الله عليه وسلم-: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ،
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [البخاري ومسلم]
ففي هذه الكلمات
النبوية الجامعة من مقتضيات المراقبة والخشية والإنابة والإتقان والإتباع وصفاء
السريرة .. ما فيه صلاح الدنيا والآخرة.
فبين صلى الله عليه وسلم أن
الإحسان على مرتبتين متفاوتتين، (أعلاهما) عبادة الله كأنك تراه، وهذا «مقام
المشاهدة»، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه حيث يتنور القلب
بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان، وهذا هو حقيقة مقام
الإحسان. ولذلك لما خطب عروة إِلَى ابن عمر ابنته وهما في الطواف لم يجبه بشيء، ثم
رآه بعد ذلك فاعتذر إِلَيْهِ، وقال: «كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا».[الحلية،
أبو نعيم]
(الثاني):
«مقام المراقبة» وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه
وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى؛ لأن
استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله تعالى وإرادته بالعمل، قال الحارث
المحاسبي: «أوائل المراقبة علم القلب بقرب الرب»، وقال بعض السَّلف: «من عمل لله
عَلَى المشاهدة فهو عارف، ومن عمل عَلَى مشاهدة الله إياه فهو مخلص».
ويتفاوت أهل هذين
المقامين بحسب نفوذ البصائر لذلك قال النووي –رحمه الله-: (وهذا القدر من الحديث
أصل عظيم من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية
السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين).
وقالوا أيضا في
الإحسان:
«فعل الخيرات على أكمل وجه».
«تحسين الظاهر والباطن».
«الإتيان بغاية ما يمكن من تحسين
العمل المأمور به، ولا يترك شيئاً مما أمر به».
«امتلاء القلب بحقيقة الألوهية
كأنه يشاهد الله عياناً».
«مراعاة الخشوع والخضوع».
وبالجملة فالإحسان
هو الذي خُلقنا من أجله، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ثم
بيّن الحكمة فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2].
والإحسان ذروة
الأعمال، وهو أن تقدم الفعل من غير عوض سابق، بل يساء إليك ولا يسعك إلا أن تقدم
الإحسان، كما فعل يوسف الصديق عليه السلام {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ
بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ
وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي
سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ
سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا
تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ
يَعْصِرُونَ} [يوسف: 46-48] فعاملهم بالإحسان فلم يعبر لهم الرؤيا فقط بل أعطاهم
الحل معه {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ}.
بل إن الذي يستلفت
النظر في قصة يوسف عليه السلام كثرة تكرار صفة الإحسان، فكان محسنا مع ربه ومع
الناس –وهما متلازمان- فقد سمى الله قصته {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ} [يوسف:3] أي من أحسنه.
ورتب على الإحسان
إيتاءه الحكم والعلم مع الشباب {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً
وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:22]
ووصفه السجناء بذلك
{نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:36]
وبه مكنه الله
تعالى في الأرض {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا
حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:56]
وقال له إخوته وهم
لا يعرفونه {قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً
فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:78]
وقال عن نفسه وأخيه
{قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن
يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90]
ثم أثنى على ربه
بإحسانه إليه {وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم
مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}
[يوسف:100]
فلم يذهب إحسانه
سدى، فكل إحسان يفعله العبد حتى فيمن لا يستحقون لابد أن يكافئه عليه الله تعالى:
{هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن:60] فاصنع المعروف في
أهله وفي غير أهله، فإن صادف أهله فهو أهله، وإن لم يصادف أهله فأنت أهله.
والإحسان خير مكانة
يتبوأها العبد لأنه إن أساء وسعه بعده الإيمان ثم الإسلام، أما من يعيشون على الحد
الأدنى للإسلام فهو مع النقص مهدد بكفر الاعتقاد أو كفر النعمة.
قال ابن تيمية:
(جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها
الإيمان، ويليه الإسلام. فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسنا، ولا
كل مسلم مؤمنا ..)، ثم قال: (وأما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة
أصحابه من الإيمان، والإيمان أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإسلام،
فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من
المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين).
وخلق الإحسان يتسع
ليشمل القول والعمل والعبادات والمعاملات .. فهو إكسير الحياة الذي يحيلها طيبة
متآلفة، لذلك جعل الله تعالى رحمته ومحبته جائزة المحسنين {وَاللّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134] {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ
الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56]
كما أن القلوب جبلت
على حب من أحسن إليها، ولذلك قال –صلى الله عليه وسلم-: «اتق الله حيثما كنت،
وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» [الترمذي]
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم**
فطالما استعبد الإنسان إحسان
وأعظم ثمرات الإحسان قوله تعالى:
{لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26] الحُسْنَى: أي
البالغة الحسن في كل شيء، من جهة الكمال والجمال، وهي الجنة، وقد ثبت عن النبي في
صحيح مسلم تفسير الزيادة المذكورة في هذه الآية الكريمة بأنها النظر إلى وجه الله
الكريم في الجنة، ولا يخفى ما بين هذا الجزاء وذلك الإحسان من المناسبة، فالمحسنون
الذين عبدوا الله كأنهم يرونه، جزاهم على ذلك العمل النظر إليه عياناً في الآخرة
{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}[الرحمن:60] وعكس هذا ما أخبر
الله به عن الكفار في الآخرة بقوله: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين:15] {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا
وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}[النجم:31]
إن الإحسان هو
الأمارة الدالة على الفوز والنجاة. فمن كان من أهل السعادة، عمل عمل المحسنين، ومن كان من أهل الشقاء
عمل عمل المسيئين. فهو طريقك وهدفك ومحل كدك ونصبك .. روى الطبراني عن أبي سلمة عن
معاذ –رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله أوصني. قال: «اعبد الله كأنك تراه،
واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل
بجنبها حسنة، السر بالسر والعلانية بالعلانية» [حسن لغيره، الألباني]
د/ خالد سعد النجار