lundi 23 avril 2018

ناصر عزيز -سورة البينة جزء1




والسورة تعرض عدة حقائق تاريخية وإيمانية في أسلوب
تقريري هو الذي يرجح أنها مدنية إلى جانب الروايات القائلة بهذا
.



والحقيقة الأولى هي أن بعثة الرسول ـ صلى الله عليه
وسلم ـ كانت ضرورية لتحويل الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين عما كانوا قد
انتهوا إليه من الضلال والاختلاف، وما كانوا ليتحولوا عنه بغير هذه البعثة
:



{
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين
حتى تأتيهم البينة: رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة
}..



والحقيقة الثانية: أن أهل الكتاب لم يختلفوا في دينهم
عن جهالة ولا عن غموض فيه، إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم وجاءتهم البينة:
{وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة}
.



والحقيقة الثالثة: أن الدين في أصله واحد، وقواعده
بسيطة واضحة، لا تدعو إلى التفرق والاختلاف في ذاتها وطبيعتها البسيطة اليسيرة:
{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا
الزكاة، وذلك دين القيمة}
.



والحقيقة الرابعة: أن الذين كفروا بعد ما جاءتهم
البينة هم شر البرية، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية. ومن ثم
يختلف جزاء هؤلاء عن هؤلاء اختلافاً بيناً
:



{
إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم
خالدين فيهآ. أولـئك هم شر البرية. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولـئك هم خير
البرية، جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، رضى
الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه
}..



وهذه الحقائق الأربع ذات قيمة في إدراك دور العقيدة
الإسلامية ودور الرسالة الأخيرة. وفي التصور الإيماني كذلك. نفصلها فيما يلي
:



{
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين
حتى تأتيهم البينة: رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة
}.



لقد كانت الأرض في حاجة ماسة إلى رسالة جديدة. كان
الفساد قد عم أرجاءها كلها بحيث لا يرتجى لها صلاح إلا برسالة جديدة، ومنهج جديد،
وحركة جديدة. وكان الكفر قد تطرق إلى عقائد أهلها جميعاً سواء أهل الكتاب الذين
عرفوا الديانات السماوية من قبل ثم حرفوها، أو المشركين في الجزيرة العربية وفي خارجها
سواء
.



وما كانوا لينفكوا ويتحولوا عن هذا الكفر الذي صاروا
إليه إلا بهذه الرسالة الجديدة، وإلا على يد رسول يكون هو ذاته بينة واضحة فارقة
فاصلة: {رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة}.. مطهرة من الشرك والكفر {فيها كتب
قيمة}.. والكتاب يطلق على الموضوع، كما يقال كتاب الطهارة وكتاب الصلاة، وكتاب
القدر، وكتاب القيامة، وهذه الصحف المطهرة ـ وهي هذا القرآن ـ فيها كتب قيمة أي
موضوعات وحقائق قيمة
..



ومن ثم جاءت هذه الرسالة في إبانها، وجاء هذا الرسول
في وقته، وجاءت هذه الصحف وما فيها من كتب وحقائق وموضوعات لتحدث في الأرض كلها
حدثاً لا تصلح الأرض إلا بهجاء في الفصل الأول من الباب الأول
:



كان القرن السادس والسابع لميلاد المسيح من أحط أدوار
التاريخ بلا خلاف. فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون وكان الإنسان في هذا
القرن قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر،
والحسن والقبيح. وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن،


"
أصبحت الديانات العظيمة فريسة العابثين
والمتلاعبين؛ ولعبة المجرمين والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها،


وقد أشار القرآن إلى مظاهر الكفر الذي شمل أهل الكتاب
والمشركين في مواضع شتى
..



من ذلك قوله عن اليهود والنصارى: {وقالت
اليهود عزير ابن الله. وقالت النصارى المسيح ابن الله
}{وقالت
اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء
}



وقوله عن اليهود: {وقالت
اليهود: يد الله مغلولة. غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف
يشاء
}



وقوله عن النصارى: {لقد
كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم
} {لقد
كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة
}





ومن ثم اقتضت رحمة الله بالبشرية إرسال رسول من عنده
يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة. وما كان الذين كفروا من المشركين ومن الذين أوتوا
الكتاب ليتحولوا عن ذلك الشر والفساد إلا ببعثة هذا الرسول المنقذ الهادي المبين
..



ولما قرر هذه الحقيقة في مطلع السورة عاد يقرر أن أهل
الكتاب خاصة لم يتفرقوا ويختلفوا في دينهم عن جهل أو عن غموض في الدين أو تعقيد.
إنما هم تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ومن بعد ما جاءتهم البينة من دينهم
على أيدي رسلهم
:



{
وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم
البينة
}..



وكان أول التفرق والاختلاف ما وقع بين طوائف اليهود
قبل بعثة عيسى ـ عليه السلام ـ فقد انقسموا شعباً وأحزاباً. مع أن رسولهم هو موسى
ـ عليه السلام ـ وكتابهم هو التوراة. فكانوا طوائف. ولكل طائفة سمة واتجاه. ثم كان
التفرق بين اليهود والنصارى، مع أن المسيح ـ عليه السلام ـ هو أحد أنبياء بني
إسرائيل وآخرهم، وقد جاء مصدقاً لما بين يديه من التوراة، ومع هذا فقد بلغ الخلاف
والشقاق بين اليهود والمسيحيين حد العداء العنيف والحقد الذميم. وحفظ التاريخ من
المجازر بين الفريقين ما تقشعر له الأبدان
.



"
ثم كان التفرق والاختلاف بين النصارى أنفسهم، مع
أن كتابهم واحد ونبيهم واحد. تفرقوا واختلفوا أولاً في العقيدة. ثم تفرقوا
واختلفوا طوائف متعادية متنافرة متقابلة. وقد دارت الخلافات حول طبيعة المسيح ـ
عليه السلام ـ وحكى القرآن قولين منها أو ثلاثة في قوله
: {لقد كفر الذين قالوا: إن
الله هو المسيح ابن مريم
} {لقد
كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة
} {وإذ
قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟
}



"

وكان هذا الخلاف كله بين أهل الكتاب جميعاً {من بعد ما
جاءتهم البينة}.. فلم يكن ينقصهم العلم والبيان؛ إنما كان يجرفهم الهوى والانحراف
.



على أن الدين في أصله واضح والعقيدة في ذاتها بسيطة:



{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} وهذه هي قاعدة دين الله على
الإطلاق
:



عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والميل عن الشرك
وأهله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة: {وذلك دين القيمة}.. عقيدة خالصة في الضمير،
وعبادة لله، تترجم عن هذه العقيدة، وإنفاق للمال في سبيل الله، وهو الزكاة.. فمن
حقق هذه القواعد، فقد حقق الإيمان كما أمر به أهل الكتاب، وكما هو في دين الله على
الإطلاق. دين واحد. وعقيدة واحدة، تتوالى بها الرسالات، ويتوافى عليها الرسل.. دين
لا غموض فيه ولا تعقيد. وعقيدة لا تدعو إلى تفرق ولا خلاف، وهي بهذه النصاعة، وبهذه
البساطة، وبهذا التيسير. فأين هذا من تلك التصورات المعقدة، وذلك الجدل الكثير؟




فأما وقد جاءتهم البينة من قبل في دياناتهم على أيدي
رسلهم؛ ثم جاءتهم البينة، حية في صورة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة؛ ويقدم لهم
عقيدة، واضحة بسيطة ميسرة، فقد تبين الطريق. ووضح مصير الذين يكفرون والذين يؤمنون
:



{
إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم
خالدين فيها أولـئك هم شر البرية. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولـئك هم خير
البرية. جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا. رضى
الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه
}..



إن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الرسول الأخير؛
وإن الإسلام الذي جاء به هو الرسالة الأخيرة. وقد كانت الرسل تتوالى كلما فسدت
الأرض لترد الناس إلى الصلاح. وكانت هناك فرصة بعد فرصة ومهلة بعد مهلة، لمن
ينحرفون عن الطريق فأما وقد شاء الله أن يختم الرسالات إلى الأرض بهذه الرسالة
الأخيرة الجامعة الشاملة الكاملة، فقد تحددت الفرصة الأخيرة، فإما إيمان فنجاة،
وإما كفر فهلاك. ذلك أن الكفر حينئذ دلالة على الشر الذي لا حد له، وأن الإيمان
دلالة على الخير البالغ أمده
.



{إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في
نار جهنم خالدين فيها. أولئك هم شر البرية} حكم قاطع لا جدال فيه ولا محال. مهما
يكن من صلاح بعض أعمالهم وآدابهم ونظمهم ما دامت تقوم على غير إيمان، بهذه الرسالة
الأخيرة، وبهذا الرسول الأخير. لا نستريب في هذا الحكم لأي مظهر مظاهر الصلاح، المقطوعة
الاتصال بمنهج الله الثابت القويم
.



{
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك هم خير البرية}.



حكم كذلك قاطع لا جدال فيه ولا محال. ولكن شرطه كذلك
واضح لا غموض فيه ولا احتيال. إنه الإيمان. لا مجرد مولد في أرض تدعى الإسلام، أو
في بيت يقول: إنه من المسلمين. ولا بمجرد كلمات يتشدق بها الإنسان! إنه الإيمان
الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة: {وعملوا الصالحات}. وليس هو الكلام الذي لا يتعدى
الشفاه! والصالحات هي كل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل. وفي أولها
إقامة شريعة الله في الأرض، والحكم بين الناس بما شرع الله. فمن كانوا كذلك فهم
خير البرية
.



{
جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها أبداً
}..



جنات للإقامة الدائمة في نعيمها الذي يمثله هنا الأمن
من الفناء والفوات. والطمأنينة من القلق الذي يعكر وينغص كل طيبات الأرض.. كما
يمثله جريان الأنهار من تحتها، وهو يلقي ظلال النداوة والحياة والجمال
!



ثم يرتقي السياق درجة أو درجات في تصوير هذا النعيم
المقيم
:



{
رضي الله عنهم ورضوا عنه}..



هذا الرضا من الله وهو أعلى وأندى من كل نعيم.. وهذا
الرضا في نفوسهم عن ربهم. الرضا عن قدره فيهم. والرضا عن إنعامه عليهم. والرضا
بهذه الصلة بينه وبينهم. الرضا الذي يغمر النفس بالهدوء والطمأنينة والفرح الخالص
العميق
..



إنه تعبير يلقي ظلاله بذاته.. {رضي الله عنهم ورضوا
عنه} حيث يعجز أي تعبير آخر عن إلقاء مثل هذه الظلال
!

ذلك لمن خشي ربه}.



وذلك هو التوكيد الأخير. التوكيد على أن هذا كله متوقف
على صلة القلب بالله، ونوع هذه الصلة، والشعور بخشيته خشية تدفع إلى كل صلاح،
وتنهى عن انحراف.. فالذي يخشى ربه حقاً لا يملك أن يُخطر في قلبه ظلاً لغيره من
خلقه. وهو يعلم أن الله يرد كل عمل ينظر فيه العبد إلى غيره معه، فهو أغنى الشركاء
عن الشرك. فإما عمل خالص له، وإلا لم يقبله
.



تلك الحقائق الأربعة الكبيرة هي مقررات هذه السورة
الصغيرة، يعرضها القرآن بأسلوبه الخاص، الذي يتجلى بصفة خاصة في هذه السور القصار
..

mardi 17 avril 2018

ناصر عزيز - في ظلال سورة الزلزلة



سورة
الزلزلة
قال العلماء وهذه السورة فضلها كثير وتحتوي على عظيم،
روى 
الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن ومن قرأ قل يا أيها
الكافرون عدلت له بربع القرآن ومن قرأ قل هو الله أحد عدلت له بثلث القرآن،
وروى 
عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما نزلت إذا زلزلت بكى أبو بكر فقال النبي: لولا
أنكم تخطئون وتذنبون ويغفر الله لكم لخلق أمة يخطئون ويذنبون ويغفر لهم إنه هو
الغفور الرحيم 
[2].
يقول سيد قطب عن هذه السورة: "إنها هزة عنيفة للقلوب
الغافلة. هزة يشترك فيها الموضوع والمشهد والإيقاع اللفظي، وصيحة قوية مزلزلة
للأرض ومن عليها، فما يكادون يفيقون حتى يواجههم الحساب والوزن والجزاء في بضع
فقرات قصار
 !".

سبب النزول
روى عبد الله بن عمر قال: نزلت إِذا زلزلت الأرض
زلزالها 
وأبو بكر الصديق رضي الله عنه قاعد فبكى أبو بكر فقال
له رسول الله: ما يبكيك يا أبا بكر قال: أبكاني هذه السورة فقال رسول الله: لو
أنكم لا تخطئون ولا تذنبون لخلق الله أمة من بعدكم يخطئون.
 أما قوله تعالى (فَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ
خَيراً يَرَهُ وَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) قال مقاتل: نزلت في
رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة ويقول: ما
هذا شيء وإنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير الكذبة
والغيبة والنظرة ويقول: ليس علي من هذا شيء إنما أوعد الله بالنار على الكبائر
فأنزل الله عز وجل يرغبهم في القليل من الخير فإنه يوشك أن يكثر ويحذرهم اليسير من
الذنب فإنه يوشك أن يكثر (فَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ) إلى آخرها 
.
إذا زلزلت الأرض أي
حركت لقيام الساعة،
أي حرّكت من أصلها. كذا رَوى عِكرْمة عن ابن عباس،
وكان يقول: في النفخة الأولى يزلزلها ـ وقاله مجاهد ـ؛ لقوله تعالى
:

{ 
يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ *
تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ
 }

[النازعات: 6 ـ 7] ثم تزلزل ثانية، فتُخرج
موتاها وهي الأثقال
.زلزالها تحريكها الشديد المناسب لعظمتها، وأخرجت الأرض أثقالها:
كنوزها وموتاها فألقتها على ظهرها،
قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو
ثِقل لها. وإذا كان فوقها، فهو ثِقل عليها. وقال ابن عباس ومجاهد: «أثقالها»:
موتاها، تُخرجهم في النفخة الثانية، ومنه قيل للجن والإنس: الثَّقَلان
وقال الإنسان:
الكافر بالبعث، ما لها: إنكارا لتلك الحالة، يومئذ: بدل من إذا وجوابها، تحدث
أخبارها: تخبر بما عمل عليها من خير وشر، بأن: بسبب أن، ربك أوحى لها: أي أمرها
بذلك في الحديث تشهد على كل عبد أو أمة بكل ما عمل على ظهرها،
عن أبي هريرة قال: " قرأ رسول الله صلى الله
عليه وسلم هذه الآية { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } قال: «أَتدرُون ما أخبارُها ـ قالوا الله ورسوله أعلم، قال:
فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أَمَة بما عَمِل على ظهرها، تقول عمل يوم كذا،
كذا وكذا» قال: «فَهَذِهِ أَخْبارُها
» " قال: هذا
حديث حسن صحيح
.
 يومئذ يصدر الناس: يتصرفون من موقف الحساب،
أشتاتا: متفرقين فآخذ ذات اليمين إلى الجنة وآخذ ذات الشمال إلى النار، ليروا
أعمالهم: أي جزاءها من الجنة أو النار، فمن يعمل مثقال ذرة: زنة نملة صغيرة، خيرا
يره: ير ثوابه، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره: ير جزاءه 
.

vendredi 13 avril 2018

ناصر عزيز -مشاهد وعبر من المعراج برسول الله صلى الله عليه وسلم



المعراج تكريم من الله لرسولَه صلى الله
عليه وسلم، بعد أن آذاه الناس على الأرض، وبعد أن فقد النصير في الأرض، رفعه الله
عزَّ وجلَّ ورفع قدره في الإسراء إمامًا بالأنبياء والمرسلين، وفي المعراج رفع
مكانته في الملأ الأعلى
.

مشاهد ودروس من رحلة المعراج خطبة 13 أفريل2018



مشاهد ودروس من رحلة المعراج خطبة 13 أفريل2018
الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

إخوتي وأحبابي وأخواتي في الله.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. نستكمل بعون الله وتوفيقه حديثنا من القلب إلى القلوب، عن المعراج، الشق الثاني في المعجزة النبوية الشريفة من رب العزة لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم بإسراء ومعراج في ليلة واحدة.
.
المعراج تكريم من الله لرسولَه صلى الله عليه وسلم، بعد أن آذاه الناس على الأرض، وبعد أن فقد النصير في الأرض، رفعه الله عزَّ وجلَّ ورفع قدره في الإسراء إمامًا بالأنبياء والمرسلين، وفي المعراج رفع مكانته في الملأ الأعلى.
وظل يرتقي ويرتقي ولكنه في ارتقائه هذا يرى مشاهد، مشاهد- لا أقول صورًا ولكنها مشاهد- في المعراج مجسدة مجسمة لأناس ولبشر رجالاً ونساءً من أمم امتُحنت وابتُليت واختُبرت؛ بعضها نجح وبعضها رسب،
ويظل الدرس.. هذه عقوبة من فعل كذا، وهذه عقوبة من يفعل كذا، ولا تزال هذه العقوبات تنتظر من يفعل نفس الفعل ونحن على الأرض.
ويعود لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكي لنا عن الجنان وما فيها، وعن النيران وما تلتهمه، وما تقدمه من مواقف لا تتحملها النفس البشرية، حتى إذا حُكيت لنا، فما بالكم إذا عاشتها وقاستها؟
ثبت في مسند الإمام أحمد والبزار والمعجم الكبير للطبراني والمعجم الأوسط له أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما عن نبينا عليه الصلاة والسلام قال :
 مررت ليلة أسري بي بوادٍ فإذا فيه ريح طيبة ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها.
س : ما السبب في حصول هذه الكرامة لها؟
جـ : كانت تسرح شعر ابنة فرعون وتمشطه فسقط المشط من يدها ، فقالت باسم الله ، فقالت ابنة فرعون : أبي؟ أي باسم أبي الذي هو إله فالله يعني أبي ، لأنه قال لشعبه : أنا ربكم الأعلى ،
قالت : لا بل ربي وربك ورب أبيك ، فقالت : أأخبر أبي بذلك ؟ قالت : أخبريه ، فأخبرته ، فدعاها فرعون فقال لها : ألك رب غيري ؟ ، قالت : نعم ، ربي وربك الله ، فأمرها أن تحضر هي وأولادها وقال : إما أن ترجعي عن دينك وتدخلي في ديني وتؤمني بأنني أنا الله الرب وإما أن أقتلك ، فقالت ، اقتلني بما شئت ولكن لي طلب عندك ، قال : لك ما تريدين ، قالت : إذا قتلتني فاجمع بين عظامي وعظام أولادي وادفنا في قبر واحد ، فقال : لك ذلك.
[فأتي بنقرة من نحاس] وهي الخابية  الكبيرة من نحاس  وهذه هي التي عذب بها النصارى في بلاد الأندلس المسلمين لما سقطت الأندلس ، فقد كانوا يأتون بهذه القدور ويضعون تحتها ناراً حتى يحمى الزيت فيها ويغلي غلياناً عظيماً ، ثم يؤتى بالمؤمن ، ويقال له إما أن ترجع عن دينك وإما أن نلقيك فيها وهم أفواج فلا يرجع عن دينه ثم يأتي بالثاني ويخير وهكذا وما يصدهم ذلك عن دين الله رغم ما يرونه من العذاب الشديد لدرجة أن هذا الماء من حرارته يذوب فيه اللحم والعظم فلا يبقي للمؤمن أثر فيه ولكنهم يثبتون على إيمانهم.
فأحماها وبدأ يضع أولادها واحداً بعد واحد فيها وهي تصبر وتحتسب حتى ألقاهم جميعاً وبقي بين يديها ولد صغير لازال رضيعاً في المهد فأشفقت عليه وخافت ، فلما أخذوه منها ليلقى في الخابية ارتاعت وتغيرت ، فظن فرعون أنها سترجع عن دينها شفقة على ابنها الصغير ، فقال هذا الغلام الصغير : يا أماه إنك على الحق فاصبري وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة
قال نبينا عليه الصلاة والسلام : لم يتكلم في المهد إلا أربعة ابن ماشطة فرعون ، وشاهد يوسف ، وعيسى عليه السلام ، وصاحب جُريج
 }
: مر صلى الله عليه وسلم على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

ومر صلى الله عليه وسلم على قوم ترضخ (تدق تكسر) رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ، قال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة.
: مر على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم (أي حجارتها المحماة) ، قال : ما هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم (أي لا يزكون) ، وما ظلمهم الله ، وما الله بظلام للعبيد.
 وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ } يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ }
مر على قوم بين أيديهم لحم في قدر نضيج ، ولحم آخر نيئ خبيث فجعلوا يأكلون الخبيث ويدعون النضيج الطيب ، قال : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : الرجل من أمتك يقوم من عند امرأته حلالا ً ، فيأتي المرأة الخبيثة فيبيت معها حتى يصبح ، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا ً طيباً فتأتي الرجل الخبيث فتبيت عنده حتى تصبح.


: مر على رجل قد جمع حزمة عظيمة من حطب لا يستطيع حملها ثم هو يريد أن يزيد عليها ، فقال : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا رجل من أمتك عليه أمانة الناس لا يستطيع أداءها ثم هو يزيد عليها ويطلب آخر.

مر على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء ، قال : يا جبريل ، ما هؤلاء ؟ قال : خطباء الفتنة.
مر على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع ، فقال : ما هذا يا جبريل ؟ ، قال : هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع.

أتى صلى الله عليه وسلم على وادٍ فوجد ريحاً طيبة ووجد ريح مسك مع صوت ، فقال : ما هذا ؟ قال : صوت الجنة تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقري ومرجاني وقضبي وذهبي وأكوابي وأباريقي وفواكهي وعسلي وثيابي ولبني وخمري ، ائتني بما وعدتني ، قال : لك كل مسلمة ومسلم ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي شيئاً ولم يتخذ من دوني أنداداً فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد ، قد افلح المؤمنون ، تبارك الله أحسن الخالقين فقالت : قد رضيت.
وأتى صلى الله عليه وسلم على وادٍ فسمع صوتاً منكراً ، فقال : يا جبريل ما هذا الصوت ؟ ، قال : هذا صوت جهنم تقول : يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني وبعد قعري واشتد حري ، ائتني بما وعدتني ، قال : لك كل مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب ، قالت : قد رضيت.

الخطبة 2
!
لذلك يعود لنا الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الدروس وهذه العبر، ونحن لا نزال على الأرض، يحكيها لنا، وتتناقلها الأجيال عن الصادق المصدوق الذي رأى بعينيه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾ (النجم).
رأى هذه مواقف رأي العين مجسدة ببشر وبأناس مثلنا، يمرون بنفس المعصية ونفس الخطأ والذنب، وسيلاقون نفس الجزاء والعقاب، وأناس يتنعمون لأنهم كانوا في الدنيا يفعلون هذه الخيرات؛ لذلك يعود لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه المشاهد ليقول لمن ما زال على قيد الحياة على الأرض ".
هل عدنا من المعراج بهذا الدرس؟ وهل رأينا هذه المشاهد المجسدة المجسمة لبشر مثلنا، يعانون ويعذبون بمثل ما نفعل؟ فهل امتنعنا؟ وهل توقفنا؟ ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) سبحانه وتعالى جل شأنه.
الدرس الثاني والمهم أن الصلاة فُرضت هناك في هذا المكان الشريف الكريم الراقي، فكل الفرائض فُرضت على الأرض إلا الصلاة، ولذلك سماها الرسول "معراج المؤمن" لأنك على الأرض وأنت ساجد وأنت واقف بين يدي الله راكعًا وساجدًا، ستكون عدت بها إلى حيث نُشئت؛ إلى حيث فرضت في الملأ الأعلى، فتصعد بك إلى حيث أصلها؛ هذا الأصل في المعراج.. سميت الصلاة "معراج المؤمن" لتصعد بك إلى حيث فُرضت.
الدرس الثالث وهو الأهم :  أيها الأخوة الكرام: يعلمنا الإسراء والمعراج ونحن في هذه المرحلة في أشد الحاجة إلى دروسه، يعلمنا الإسراء والمعراج أن للمحن والمصائب حكماً جليلة، منها أنها تسوق أصحابها إلى باب الله تعالى، تلبسهم رداء العبودية، ترجئهم إلى طلب العون من الله، تعلمنا أحداث الإسراء والمعراج أنه لا ينبغي أن تصدنا المحن والعقبات عن متابعة السير في استقامة وثبات، تعلمنا أحداث الإسراء والمعراج أنه مادام الله هو الآمر فلا شك أنه هو الضامن والحافظ و الناصر، تعلمنا أحداث الإسراء والمعراج أنه لولا الجهاد والصبر ما عبد الله في الأرض، وما انتشر الإسلام في العالمين، إنها تعلمنا أن اليسر مع العسر، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الشدة ، إنها تعلمنا أنه لا يعد المسلم مسلماً إلا إذا انتمى إلى مجموع المسلمين، وحمل هموم المسلمين، وساهم بشكل أو بآخر في حل مشكلاتهم.
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))


اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم شتت شملهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى، اجمعهم على الحق والخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين