jeudi 15 novembre 2012

عبرمن الهجرة :أخذ بالاسباب وتوكل على الله

لم تنجح الهجرة بخرافة العنكبوت والحمامة بل بالأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم التوكل على الله وكأنها لا شيء
الحمد لله ربّ العالمين ، نحمده تعالى ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا  من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا  وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، له الملك  وله الحمد  ، يحيي ويميت  وهو على كلّ شيء قدير وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله  أرسله الله  بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين . فصلّواعليه وسلّموا تسليما واتّقوا الله حقّ تقاته  ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمين .......
أمّا بعد إخوة الإيمان ها أنّنا على أعتاب سنة هجريّة جديدة أرادت العناية الإلهيّة أن تكون تأريخا لأمّة الإسلام نسأل الله تعالى أن يجعلها سنة مباركة علينا جميعا وعلى بلادنا وعلى المسلمين سنة خيروأمن  لبلادنا وسنة نصر وعزة لاخواننا في فلسطين وبورما وسوريا وفي كل مكان
 فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ آل عمران

 ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } { خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ  التوبة

الجو السائد في أحداث الهجرة، هو جو "الحذر والأخذ بالأسباب" بصورة تثير التعجب والإعجاب. هذا النبي الكريم الذي قبل سنوات قليلة أسرى الله به من مكة إلى الشام في لمح البصر؛ الآن فرض عليه الهجرة من مكة إلى المدينة؛ وأن يكابد فيها المطاردة والصحراء والجوع والعطش والحر والغربة، يكابد كل ذلك على قدميه لا على براق يطير به في ليلة قمراء، لقد أراد الله ـ تعالى ـ أن تكون أحداث الهجرة تشريعًا إلى قيام الساعة، لذا كانت إنسانية بشرية، أخذ فيها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما استطاع من أسباب الدنيا؛ اختار الصاحب وجهز الراحلة وأنفق المال واستعان براعٍ وجاسوس، وتخفى بغار موحش مُظلم، وأكل القليل من الطعام ما يكاد يسد رمقه؛ كل هذا لتعلم أن دعوة الإسلام دعوة واقعية، وأن الإسلام لا ينتصر إلا إذا أخذنا له بأسباب الدنيا مع التوكل على الله، وأن المسلم في حياته اليومية مهما بلغ في التعبد والتحنث فإن ذلك لن يدفع عنه مذلة الفقر أو مهلكة الجهل، أومعثرة المرض ـ إلا إذا أخذ بالأسباب الدنيوية، والعوامل الحياتية، والوسائل المباحة المختلفة التي تعينه على معاشه، فما بالك إذن إن أردنا أن نجعل من الدعوة الإسلامية رائدة الدعوات، ومن الحضارة الإسلامية سيدة الحضارات؟
علم الله أنه إذا قال في شأن الهجرة النبوية: كوني لكانت؛ ولَنَقَلَ النبيَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بساط إلهي من بيته في مكة ـ حيث يترصده المشركون ـ إلى بيت أبي أيوب الأنصاري في المدينة، في أقل من طرفة عين، وما ذلك على الله بعزبز، وقد رأيتَ كيف أسرى بعبده ليلاً من مكة إلى ما أبعد من المدينة.
لكن الذين اتقوا ربهم، يعرفون أن دعوة الله لا بد أن نأخذ لها بقوة، وأن نمهد لها طريقها بسبب، وأن نيسر لها وسائلها بحكمة، وأن نُصرفَ لها الأفكار التي تخدمها من هنا وهنا.
 هذه حقيقة يحتاجها المسلمون أيما حاجة، يجب أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء وينبغي أن نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء،
الصاحب:كان، كلما عزم أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ على الهجرة؛ أثناه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك وقال له: "عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي"
الراحلة:حَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِيَصْحَبَهُ، وأعد ناقتين، وظل يعلفهما أربعة أشهر.
التخفي :قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي !وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ!
 قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ- وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -لِأَبِي بَكْرٍ: "أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ".فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ !قَالَ:" فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ".فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَالصُّحْبَةُ ـ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ـ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:" نَعَمْ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ ـ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ـ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "بِالثَّمَنِ"[البخاري: 3616، عن عائشة]..
الزاد:قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.
الاستخبارات :قَالَتْ عائشة: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ- وَهُوَ غُلامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ - فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ[1] إِلا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلامُ [البخاري: 3616، عن عائشة
المال : كل مال أبي بكر
الفدائي: علي بن أبي طالب ينام في فراشه لما علم أن قريش أجمعت على قتل رسول الله
التمويه: وكانت مهمة عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ-، أن يأتي بالأغنام لمحو آثار خطوات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بكر، قالت: "يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ".
خط سير الرحلة أولا إلى الجنوب عوض الشمال ثم الاختفاء بغار ثور ثم سلوك طريق ساحلي وعرمع تحديد موعد الانطلاق بعد3أيام
الدليل: وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً، هَادِيَا خِرِّيتًا، ماهرًا بالطريق، وكان من بني الديل، مشركًا، لهم حلف مع آل العاص بن وائل، فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ، أي القريب من البحر الأحمر.
 التوكل والعمل صنوان لأصل واحد، فاعلم أنه لا يُقبل التوكل إلا بحسن العمل، كما أن الأخذ بالأسباب لا يقل وجوبًا عن التوكل على الله.
توصية عملية:
وسائل اتخاذ الأسباب كل واحدة درسٌ للمسلمِ أن يتخذَ الأسبابَ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، ثم يتوكل بعد ذلك على الله، بعد أن اتخذ المصطفى- صلى الله عليه وسلم- هذه الأسباب وخاف أبو بكر قال له: "لا تحزن إن الله معنا"، ومَن كان الله معه لا يحزن إنما يفرح إنما يُسر بمعية المولى تبارك وتعالى؛ لأن الله يحفظه ولأن الله يرعاه ولأن الله ينصره.
بل إنّ أعداء الإسلام تعدّدوا وتنوّعوا بعد الهجرة أكثر ممّا كانوا عليه قبلها ،  فيا من شددت الرحال مهاجرا إلى الله، ويا من ولّيت وجهك شطر رسول الله، اعلم علم اليقين أنك تحتاج في سيرك إلى جهد ،وبذل، وتضحية، وذاك يقابله ابتلاء من الله، فأعدَّ نفسك واصبرها على الحق ومع الصابرين، ولا تظنن أن الطريق سُهول وورود، فأنت طالب المعالي، وكي يزف لك النصر والتأييد والمهر غال وشاق في ذوق أبناء الدنيا، نعيم عند من جعل هجرته إلى الله ورسوله، لا يبتغي منها دولة يصيبها أو منصبا يشغله "دنيا"، ولا يريد مكانة اجتماعية أو أموالا وترفا في المأكل والمشرب والمسكن "امرأة ينكحها". وصدق تعالى وهو أصدق القائلين :" إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة" ولن يتحققّ النّصر إلاّ بشرطين أساسييّن جهاد ونية
شعاران رفعهما في المدينة :
قال صلى الله عليه وسلم "أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وألينوا الكلام، تدخلوا الجنة بسلام" لم يعلن حربًا على مكةَ، إنما بدأ يُذكِّر الناس ويدعوهم إلى هذا الحقِّ،
وقال  رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إِنَّ الْمُهَاجِرَ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"

 اللهمّ لك الحمد حتّى ترضى ولك الحمد على الرّضا ولك الحمد في الأولى والآخرة لك الحمد أن بعثت فينا نبيّك وصفيّك رحمة للعالمين ولك الحمد أن جعلتنا من أمّته التي اصطفيتها على سائر الأمم فاحشرنا في زمرة المتّقين واجعلنا من شفعائه يوم الدّين واجعلنا من ورثة جنّة النعيم مع الصدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على نبيّك الكريم سيّد الأوّلين والآخرين وقائد الغرّ المحجّلين
اللهمّ اجعلنا من المهاجرين إلى نبيّك باتّباع منهجه والسّير على هداه واجعلنا ممّن يهجر المعاصي والذّنوب أبدا ما أحييتنا حتّى نلقاك وأنت راض عنّا  .
اللهمّ إنّا نعوذ بك من الذّنوب التي تنزل النّقم ونعوذ بك من الذّنوب التي ترفع النّعم ونعوذ بك من الذّنوب التي تحبس الماء من السّماء اللهمّ فلا تآخذنا بذنوبنا وذنوب السّفهاء منّا ،وأغثنا بغيث العلم والهدى والتّقى كما أغثتنا بماء من السّماء  اللهمّ إنّا نعلم أنّك تحبّ من عبادك الملحاحين في الدّعاء، فها أنّا نرجوك وندعوك ونعلم انّ فيك وحدك الرّجاء ونحن عبادك الفقراء إليك فاقبل دعاءنا وأجب رجاءنا فإنّك تقدر ولا نقدر وتعلم ولا نعلم وأنت علاّم الغيوب . اللهمّ يا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك وأرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه وأرنا الباطل باطلا وجنّبنا اتّباعه  اللهمّ احفظنا من كلّ داء ومن كلّ بلاء  ومن كلّ وباء ومن شماتة الأعداء  واكتب لنا النّصر على الأعداء بفضلك وجودك وكرمك فقد وعدتنا وأنت لا تخلف الميعاد فقلت :" ادعوني أستجب لكم " فها أنّنا ندعوك كما أمرتنا فاستجب يا ربّنا كما وعدتنا ...نسألك يا ألله بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك أن تجيب دعانا ولا تخيّب فيك رجانا نسألك يا ألله أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا وذهاب غمومنا وهمومنا  اللهمّ نوّر به أبصارنا وقلوبنا وبيوتنا ودروبنا واهد به أبناءنا واجعله شفاء من كلّ داء. اللهمّ اشف مرضانا وارحم موتانا واجعل الجنّة مأواهم ومأوانا  اللهمّ يا عالما بالسرّ والنّجوى أعط لكلّ الحاضرين من الخير ما نوى اللهمّ انصر كلّ من نصر الدّين واخذل أعداءك أعداء الدّين اللهمّ ولّ أمورنا خيارنا  واجعلهم ممّن يخافوك فينا واجعل هذا العام الهجريّ عام خير ويمن وبركة ونصر وتأييد لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها   وارحم والدينا ومن علّمنا ووفّقنا إلى كلّ خير إنّك على كلّ شيء قدير وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
عباد الله إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعضكم لعلّكم تذكّرون

mardi 13 novembre 2012

شيخ الأزهر محمد الخضر التونسي

لشيخ محمد خضر حسين الجزائري 1293 هــ -1377 هـ
يحـفـل تـاريخـنـا الإسـلامـي في الـقـديم والحـديـث بـنـمـاذج مشرفة للعلماء الذين ضربوا المثل الأعلى في الفضل والعلم والجهاد ، وكثير من هؤلاء مغمورون ، وقليل من الناس من يعرفهم .وسـأحـاول في هـذه الـمـقـالـة عرض حياة علم من هؤلاء العلماء الأعلام، وسترى فيه أخي القارئ ، نموذجاً للصبر على العلم والتحصيل والتبليغ والجهاد والمواقف الجريئة . فما أحوجنا لأمثاله من العلماء العاملين الذين هم بحق ورثة الأنبياء .هـو: محمد الخضر حسين الذي ينتسب إلى أسرة عريقة في العلم والشرف، حيث تعود أسـرتـه إلى البيت العمري في بلدة (طولقة) جنوب الجزائر، وقد رحل والده إلى (نفطة) من بلاد الجريد بتونس بصحبة صهره (مصطفى بن عزوز)

من أفاضل علماء تونس، وخاله (محمد المكي) من كـبـار الـعـلـماء وكان موضع 
الإجلال في الخلافة امن أفاضل علماء تونس، وخاله (محمد المكي) من كـبـار الـعـلـماء وكان موضع الإجلال في الخلافة العثمانية .وسنتتبع حياة عالمنا في مراحل ثلاثالأولى : في تونس: حيث ولد الشيخ بنفطة عام 1293 ، وعلى أرضها درج ونشأ ، وهو - كأي عالم مسلم - تبدأ حياته في أجواء البيت المسلم ، والأسرة المسلمة ، ثم أخذ العلم في نفطة وكان لا يتعدى مبادئ علوم الدين ووسائلها ، وقد ذكر أن والدته قد لقنته مع إخوانه (الكفراوي) في النحو و (السفطي) في الفقه المالكي ، وفي عام 1306 انتقل مع أسرته إلى العاصمة ، فتعلم بالابتدائي ، وحفظ القرآن مما خوله الانتظام بجامع الزيتونة فجد واجتهد وثابر على مواصلة العلم ، حتى صار مثار إعجاب أساتذته وعارفيه ، حيث درس على أستاذه (سالم أبو حاجب) صحيح البخاري ، وعنه أخذ ميوله الإصلاحية وأخذ التفسير عن أستاذيه (عمر بن الشيخ) و (محمد النجار) ، وفي عام 1316 نال شهادة (التطويع) التي تخول حاملها إلقاء الدروس في الزيتونة تطوعاً وكانت هذه الطريقة درباً للظفر بالمناصب العلمية وميداناً للخبرة والتدريب على مهنة التعليم ، فعظمت مكانته في نفوس زملائه ، وذاع صيته في البلاد حتى صار من قادة الفكر وذوي النفوذ ، وأعجب به طلبة الزيتونة وكانت الحركة الفكرية هناك في حاجة لإبراز نشرة دورية تنطق بلسانها ، ولم يكن يوجد آنذاك بتونس سوى الصحف . فقام بإنشاء مجلته (السعادة العظمى) فنالت إعجاب العلماء والأدباء وساء بعضهم صدورها لما اتسمت به من نزعة الحرية في النقد واحترام التفكير السليم ، ولتأييدها فتح باب الاجتهاد حيث قال الشيخ عنه في مقدمة العدد الأول :(.. إن دعوى أن باب الاجتهاد قد أغلق دعوى لا تسمع إلا إذا أيدها دليل يوازن في قوته الدليل الذي فتح به باب الاجتهاد) .وكان منهج المجلة كما جاء في المقدمة أيضاً يتمثل في : 1- افتتاحية لكل عدد تحث على المحافظة على مجدنا وتاريخنا .2- تعرض لعيون المباحث العلمية . 3- ما يكون مرقاة لصناعة الشعر والنثر .4- الأخلاق كيف تنحرف وبم تستقيم .5- الأسئلة والمقترحات .6- الخاتمة ومسائل شتى .وهكذا صدرت هذه المجلة فملأت فراغاً كبيراً في ميدان الثقافة الإسلامية وتسابق العلماء والكتاب للمشاركة فيها حتى أغلقها المستعمر الفرنسي حينما تعرض لهجومها عام 1322 هـ أي بعد مضي عام واحد فقط على صدورها ، فاتجهت إلى الشيخ الجمعيات الرسمية وغيرها للاشتراك في أعمالها ، ثم تولى قضاء (بنزرت) عام 1323 مع الخطابة والتدريس بجامعها ، وحدثت اشتباكات بين المواطنين والمستعمر ، فتطور الأمر ، وأعلنت الأحكام العرفية وعطلت الصحف ، وسجن أو نفي معظم ذوي الشأن من القادة والمفكرين فأصبحت كل حركة تبدو من الطلاب محمولة عليه . فنظر إليه المسؤولون شذراً ، خصوصاً بعد إضراب الطلاب عن التعليم. وفي هذا الجو المكهرب والمحبوك بالمؤامرات دفع به الضيق إلى طلب حياته الفكرية والعملية في خارج تونس ، خصوصاً وأنه من أنصار (الجامعة الإسلامية) الذين يؤمنون بخدمة الإسلام خدمة لا تضيق بها حدود الأوطان .فـقـام بـعـدة سـفـرات متوالية بادئاً بالجزائر عام 1327 لإلقاء المحاضرات والدروس فلقي ترحيباً من علمائها ، وكانت هذه الرحلة بداية جديدة شرع بعدها في إعداد نفسه وأفكاره الإصلاحية . ثم عاد إلى تونس لمزاولة التدريس . واشترك في مناظرة للتدريس من الدرجة الأولى ، فحرم من النجاح فحز ذلك في نفسه لسيطرة روح المحاباة على الحياة العلمية في بلده . وفي عام 1329 وجهت إليه تهمة بث العداء للغرب ، ولاسيما فرنسا ، فيمم وجهه صوب الشرق ، وزار كثيراً من بلدانه ، وزار خاله في الآستانة ولعل هذه الرحلة لاكتشاف أي محل منها يلقي فيه عصا الترحال . ثم عاد لتونس فلم يطب له المقام والمستعمر من ورائه.المرحلة الثانية : عدم الاستقراروصل دمشق عام 1330 مع أسرته ومن ضمنها أخواه العالمان المكي وزين العابدين ، فعين الشيخ (محمد الخضر حسين) مدرساً بالمدرسة السلطانية ، وألقى في جامع بني أمية دروساً قدّره العلماء عليها، وتوثقت بينه وبين علماء الشام الصلة وبخاصة الشيخ البيطار، والشيخ القاسمي ، ولما كانت آنذاك سكة الحديد الحجازية سالكة إلى المدينة المنورة زار المسجد النبوي عام 1331 وله في هذه الرحلة قصيدة مطلعها : أحييك والآماق ترسل مدمعاً كأني أحدو بالسلام مودعاًوفي هـذه الفـتـرة شـده الحـنـيـن إلى تـونـس الخـضـراء، فزارها وله في ديوانه ذكريات في الصفحات 26 ، 134 . وكـان الشـيـخ دائـمـاً ما يـدعـو للإخاء بـين العرب وإخوانهم الأتراك حينما بدأت النعرة القومية تفرقهم. وقد ذهب إلى الآستانة، ولـقـي وزيـر الحربية (أنور باشا) فاختير محرراً للقلم العربي هناك فعرف دخيلة الدولة، فأصيب بخيبة أمل للواقع المؤلم الذي لمسه ورآه رؤيا العين، فنجد روحه الكبيرة تتمزق وهي ترى دولة الخلافة تحتضر وقال في قصيدة (بكاء على مجد ضائع) : أدمـى فـؤادي أن أرى الـ أقـلام تـرسـف في قـيـود وأرى ســيــاسـة أمــتــي في قبضة الخصم العـنـيدوفي عام 1333 هـ أرسله (أنور باشا) إلى برلين في مهمة رسمية ، ولعلها للمشاركة في بث الدعاية في صفوف المغاربة والتونسيين داخل الجيش الفرنسي والأسرى في ألمانيا لحملهم على النضال ضد فرنسا ، أو التطوع في الحركات الجهادية . وظل هناك تسعة أشهر أتقن فيها اللغة الألمانية وقام بمهمته أحسن قيام ، وقد نقل لنا من رحلته هذه نماذج طيبة مما يحسن اقتباسه ، لما فيه من الحث على العلم والجد والسمو . نجدها مفرقة في كتبه ففي كتاب (الهداية الإسلامية) ص 155 ، 164 ، 175 ، وفي كتابه (دراسات في الشريعة) ص 135 ، ولما عاد للآستانة وجد خاله قد مات فضاقت به البلد ، وعاد إلى دمشق ، فاعتقله (جمال باشا) عام 1334 بتهمة علمه بالحركات السرية المعادية للأتراك ، ومكث في السجن سنة وأربعة أشهر برئت بعدها ساحته ، وأطلق سراحه فعاد للآستانة فأرسل في مهمة أخرى لألمانيا . ثم عاد إلى دمشق ، وتولى التدريس بثلاثة معاهد هي : (المدرسة السلطانية - المدرسة العسكرية - المدرسة العثمانية) ثم نزح عن دمشق التي أحبها حينما أصدر ضده حكم غيابي بالإعدام - لما قام به ضد فرنسا من نشاطات في رحلاته لأوربا - وذلك بعد دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية، وكان أمله أن يعود إلى تونس، ولكن إرادة الله شاءت أن تكون مصر هي مطافه الأخير ، وبهذا تتم المرحلة الثانية .المرحلة الثالثة : مصروقد وصلها عام 1339 فوجد بها صفوة من أصدقائه الذين تعرف عليهم بدمشق ومنهم: (محب الدين الخطيب) ونظراً لمكانته العلمية والأدبية اشتغل بالكتابة والتحرير ، وكان العلامة (أحمد تيمور) من أول من قدر الشيخ في علمه وأدبه . فساعده وتوطدت العلاقة بينهما. ثم كسبته دار الكتب المصرية . مع نشاطه في الدروس والمحاضرات وقدم للأزهر ممتحناً أمام لجنة من العلماء اكتشفت آفاق علمه ، فاعجبت به أيما إعجاب فنال على أثر ذلك (العالمية) فأصبح من كبار الأساتذة في كلية (أصول الدين والتخصص) لاثنتي عشرة سنة ، وفي عام 1344 أصدر كتاب (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) رد فيه على الشيخ (علي عبد الرزاق) فيما افتراه على الإسلام من دعوته المشبوهة للفصل بين الدين والدولة ، وفي عام 1345 أصدر كتابه (نقض كتاب في الشعر الجاهلي) رداً على طه حسين فيما زعمه في قضية انتحال الشعر الجاهلي وما ضمنه من افتراءات ضد القرآن الكريم . وفي عام 1346 هـ شارك في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وفي السنة نفـسـهـا أسـس جمعية (الهداية الإسلامية) والتي كانت تهدف للقيام بما يرشد إليه الدين الحنيف من علم نافع وأدب رفيع مع السعي للتعارف بين المسلمين ونشر حقائق الإسـلام ومـقـاومـة مـفـتـريات خصومه، وصدر عنها مجلة باسمها هي لسان حالها، وفي عـام 1349 هـ صـدرت مـجـلة (نور الإسلام - الأزهر حالياً) وتولى رئاسة تحريرها فترة طويلة . وفي عام 1351 منح الجنـسـية المصرية ثـم صـار عـضـواً بالمجمع اللغوي . ثم تولى رئاسة تحرير مجلة (لواء الإسلام) مدة . وفي عام 1370 تـقـدم بطـلـب عضوية جمعية كبار العلماء فنالها ببحثه (القياس في اللغة) وفي 21/12/1371 هـ تـولـى مـشـيـخـة الأزهـر وفـي ذهـنـه رسالة طالما تمنى قيام الأزهر بها، وتحمل هذا العبء بصبر وجد وفي عهده أرسل وعاظ من الأزهر إلى السودان ولاسيما جنوبه، وكان يـصـدر رأي الإسـلام في المواقـف الحاسـمـة، وعمل على اتصال الأزهر بالمجتمع واستمر على هذا المنوال، ولما لـم يـكـن للأزهـر مـا أراد أبـى إلا الاستقالة .ولابد من ختم هذا المقالة بذكر بعض من المواقف الجريئة التي تدل على شجاعته ، وأنه لا يخشى في قول الحق لومة لائم شأنه شأن غيره من علماء السلف الذين صدعوا بالحق في وجه الطغيان في كل زمان ومكان . 1- حينما كان في تونس لم تمنعه وظيفته من القيام بواجبه في الدعوة والإصلاح بالرغم من أن الاستعمار ينيخ بكلكله على البلاد ، فقد ألقى في نادي (قدماء مدرسة الصادقية) عام 1324 محاضرته (الحرية في الإسلام) والتي قال فيها :(إن الأمة التي بليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها ، أو حكومة جائرة تسوقها بسوط الاستبداد هي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد وننفي عنها لقب الحرية) .ثم بيّن حقيقتي الشورى والمساواة ، ثم تحدث عن حق الناس في حفظ الأموال والأعراض والدماء والدين وخطاب الأمراء . ثم بيّن الآثار السيئة للاستبداد وهذه المحاضرة من دراساته التي تدل على شجاعته وعلى نزعته المبكرة للحرية المسؤولة وفهمه لمنهج الإسلام فهماً راقياً سليماً .2- وفي عام 1326 عرضت عليه السلطة المستعمرة الاشتراك في المحكمة المختلطة الـتـي يكون أحد طرفيها أجنبياً . فرفض أن يكون قاضياً أو مستشاراً في ظل الاستعمار . ولخدمة مصالحه وتحت إمرة قانون لا يحكم بما أنزل الله .3- ولا أزال أذكر ما قصه علينا أستاذ أزهري كان آنذاك طالباً في أصول الدين إبان رئاسة الشيخ للأزهر ، حين دعا أحد أعضاء مجلس الثورة إلى مساواة الجنسين في الميراث ، ولما علم الشيخ بذلك اتصل بهم وأنذرهم إن لم يتراجعوا عن ما قيل فإنه سيلبس كفنه ويستنفر الشعب لزلزلة الحكومة لاعتدائها على حكم من أحكام الله ، فكان له ما أراد .أواخر حياتهواستمر الشيخ محمد الخضر حسين -رحمه الله- في أواخر حياته يلقي المحاضرات ويمد المجلات والصحف بمقالاته ودراساته الـقـيمة، بالرغم مما اعتراه من كبر السن والحاجة إلى الراحة وهذا ليس غريباً عمن عرفنا مشوار حياته المليء بالجد والاجتهاد والجهاد .وكان أمله أن يرى الأمة متحدة ومتضامنة لتكون كما أراد الله خير أمة أخرجت للناس، وحسبه أنه قدم الكثير مما لانجده عند الكثير من علماء هذا الزمان .وفي عام 1377 هـ انتقل إلي رحاب الله ، ودفن في مقبرة أصدقائه آل تيمور جزاه الله عن الإسلام خير الجزاء ، ورحمه رحمة واسعة ، وعفا الله عنا وعنه لعثمانية .وسنتتبع حياة عالمنا في مراحل ثلاثالأولى : في تونس: حيث ولد الشيخ بنفطة عام 1293 ، وعلى أرضها درج ونشأ ، وهو - كأي عالم مسلم - تبدأ حياته في أجواء البيت المسلم ، والأسرة المسلمة ، ثم أخذ العلم في نفطة وكان لا يتعدى مبادئ علوم الدين ووسائلها ، وقد ذكر أن والدته قد لقنته مع إخوانه (الكفراوي) في النحو و (السفطي) في الفقه المالكي ، وفي عام 1306 انتقل مع أسرته إلى العاصمة ، فتعلم بالابتدائي ، وحفظ القرآن مما خوله الانتظام بجامع الزيتونة فجد واجتهد وثابر على مواصلة العلم ، حتى صار مثار إعجاب أساتذته وعارفيه ، حيث درس على أستاذه (سالم أبو حاجب) صحيح البخاري ، وعنه أخذ ميوله الإصلاحية وأخذ التفسير عن أستاذيه (عمر بن الشيخ) و (محمد النجار) ، وفي عام 1316 نال شهادة (التطويع) التي تخول حاملها إلقاء الدروس في الزيتونة تطوعاً وكانت هذه الطريقة درباً للظفر بالمناصب العلمية وميداناً للخبرة والتدريب على مهنة التعليم ، فعظمت مكانته في نفوس زملائه ، وذاع صيته في البلاد حتى صار من قادة الفكر وذوي النفوذ ، وأعجب به طلبة الزيتونة وكانت الحركة الفكرية هناك في حاجة لإبراز نشرة دورية تنطق بلسانها ، ولم يكن يوجد آنذاك بتونس سوى الصحف . فقام بإنشاء مجلته (السعادة العظمى) فنالت إعجاب العلماء والأدباء وساء بعضهم صدورها لما اتسمت به من نزعة الحرية في النقد واحترام التفكير السليم ، ولتأييدها فتح باب الاجتهاد حيث قال الشيخ عنه في مقدمة العدد الأول :(.. إن دعوى أن باب الاجتهاد قد أغلق دعوى لا تسمع إلا إذا أيدها دليل يوازن في قوته الدليل الذي فتح به باب الاجتهاد) .وكان منهج المجلة كما جاء في المقدمة أيضاً يتمثل في : 1- افتتاحية لكل عدد تحث على المحافظة على مجدنا وتاريخنا .2- تعرض لعيون المباحث العلمية . 3- ما يكون مرقاة لصناعة الشعر والنثر .4- الأخلاق كيف تنحرف وبم تستقيم .5- الأسئلة والمقترحات .6- الخاتمة ومسائل شتى .وهكذا صدرت هذه المجلة فملأت فراغاً كبيراً في ميدان الثقافة الإسلامية وتسابق العلماء والكتاب للمشاركة فيها حتى أغلقها المستعمر الفرنسي حينما تعرض لهجومها عام 1322 هـ أي بعد مضي عام واحد فقط على صدورها ، فاتجهت إلى الشيخ الجمعيات الرسمية وغيرها للاشتراك في أعمالها ، ثم تولى قضاء (بنزرت) عام 1323 مع الخطابة والتدريس بجامعها ، وحدثت اشتباكات بين المواطنين والمستعمر ، فتطور الأمر ، وأعلنت الأحكام العرفية وعطلت الصحف ، وسجن أو نفي معظم ذوي الشأن من القادة والمفكرين فأصبحت كل حركة تبدو من الطلاب محمولة عليه . فنظر إليه المسؤولون شذراً ، خصوصاً بعد إضراب الطلاب عن التعليم. وفي هذا الجو المكهرب والمحبوك بالمؤامرات دفع به الضيق إلى طلب حياته الفكرية والعملية في خارج تونس ، خصوصاً وأنه من أنصار (الجامعة الإسلامية) الذين يؤمنون بخدمة الإسلام خدمة لا تضيق بها حدود الأوطان .فـقـام بـعـدة سـفـرات متوالية بادئاً بالجزائر عام 1327 لإلقاء المحاضرات والدروس فلقي ترحيباً من علمائها ، وكانت هذه الرحلة بداية جديدة شرع بعدها في إعداد نفسه وأفكاره الإصلاحية . ثم عاد إلى تونس لمزاولة التدريس . واشترك في مناظرة للتدريس من الدرجة الأولى ، فحرم من النجاح فحز ذلك في نفسه لسيطرة روح المحاباة على الحياة العلمية في بلده . وفي عام 1329 وجهت إليه تهمة بث العداء للغرب ، ولاسيما فرنسا ، فيمم وجهه صوب الشرق ، وزار كثيراً من بلدانه ، وزار خاله في الآستانة ولعل هذه الرحلة لاكتشاف أي محل منها يلقي فيه عصا الترحال . ثم عاد لتونس فلم يطب له المقام والمستعمر من ورائه.المرحلة الثانية : عدم الاستقراروصل دمشق عام 1330 مع أسرته ومن ضمنها أخواه العالمان المكي وزين العابدين ، فعين الشيخ (محمد الخضر حسين) مدرساً بالمدرسة السلطانية ، وألقى في جامع بني أمية دروساً قدّره العلماء عليها، وتوثقت بينه وبين علماء الشام الصلة وبخاصة الشيخ البيطار، والشيخ القاسمي ، ولما كانت آنذاك سكة الحديد الحجازية سالكة إلى المدينة المنورة زار المسجد النبوي عام 1331 وله في هذه الرحلة قصيدة مطلعها : أحييك والآماق ترسل مدمعاً كأني أحدو بالسلام مودعاًوفي هـذه الفـتـرة شـده الحـنـيـن إلى تـونـس الخـضـراء، فزارها وله في ديوانه ذكريات في الصفحات 26 ، 134 . وكـان الشـيـخ دائـمـاً ما يـدعـو للإخاء بـين العرب وإخوانهم الأتراك حينما بدأت النعرة القومية تفرقهم. وقد ذهب إلى الآستانة، ولـقـي وزيـر الحربية (أنور باشا) فاختير محرراً للقلم العربي هناك فعرف دخيلة الدولة، فأصيب بخيبة أمل للواقع المؤلم الذي لمسه ورآه رؤيا العين، فنجد روحه الكبيرة تتمزق وهي ترى دولة الخلافة تحتضر وقال في قصيدة (بكاء على مجد ضائع) : أدمـى فـؤادي أن أرى الـ أقـلام تـرسـف في قـيـود وأرى ســيــاسـة أمــتــي في قبضة الخصم العـنـيدوفي عام 1333 هـ أرسله (أنور باشا) إلى برلين في مهمة رسمية ، ولعلها للمشاركة في بث الدعاية في صفوف المغاربة والتونسيين داخل الجيش الفرنسي والأسرى في ألمانيا لحملهم على النضال ضد فرنسا ، أو التطوع في الحركات الجهادية . وظل هناك تسعة أشهر أتقن فيها اللغة الألمانية وقام بمهمته أحسن قيام ، وقد نقل لنا من رحلته هذه نماذج طيبة مما يحسن اقتباسه ، لما فيه من الحث على العلم والجد والسمو . نجدها مفرقة في كتبه ففي كتاب (الهداية الإسلامية) ص 155 ، 164 ، 175 ، وفي كتابه (دراسات في الشريعة) ص 135 ، ولما عاد للآستانة وجد خاله قد مات فضاقت به البلد ، وعاد إلى دمشق ، فاعتقله (جمال باشا) عام 1334 بتهمة علمه بالحركات السرية المعادية للأتراك ، ومكث في السجن سنة وأربعة أشهر برئت بعدها ساحته ، وأطلق سراحه فعاد للآستانة فأرسل في مهمة أخرى لألمانيا . ثم عاد إلى دمشق ، وتولى التدريس بثلاثة معاهد هي : (المدرسة السلطانية - المدرسة العسكرية - المدرسة العثمانية) ثم نزح عن دمشق التي أحبها حينما أصدر ضده حكم غيابي بالإعدام - لما قام به ضد فرنسا من نشاطات في رحلاته لأوربا - وذلك بعد دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية، وكان أمله أن يعود إلى تونس، ولكن إرادة الله شاءت أن تكون مصر هي مطافه الأخير ، وبهذا تتم المرحلة الثانية .المرحلة الثالثة : مصروقد وصلها عام 1339 فوجد بها صفوة من أصدقائه الذين تعرف عليهم بدمشق ومنهم: (محب الدين الخطيب) ونظراً لمكانته العلمية والأدبية اشتغل بالكتابة والتحرير ، وكان العلامة (أحمد تيمور) من أول من قدر الشيخ في علمه وأدبه . فساعده وتوطدت العلاقة بينهما. ثم كسبته دار الكتب المصرية . مع نشاطه في الدروس والمحاضرات وقدم للأزهر ممتحناً أمام لجنة من العلماء اكتشفت آفاق علمه ، فاعجبت به أيما إعجاب فنال على أثر ذلك (العالمية) فأصبح من كبار الأساتذة في كلية (أصول الدين والتخصص) لاثنتي عشرة سنة ، وفي عام 1344 أصدر كتاب (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) رد فيه على الشيخ (علي عبد الرزاق) فيما افتراه على الإسلام من دعوته المشبوهة للفصل بين الدين والدولة ، وفي عام 1345 أصدر كتابه (نقض كتاب في الشعر الجاهلي) رداً على طه حسين فيما زعمه في قضية انتحال الشعر الجاهلي وما ضمنه من افتراءات ضد القرآن الكريم . وفي عام 1346 هـ شارك في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وفي السنة نفـسـهـا أسـس جمعية (الهداية الإسلامية) والتي كانت تهدف للقيام بما يرشد إليه الدين الحنيف من علم نافع وأدب رفيع مع السعي للتعارف بين المسلمين ونشر حقائق الإسـلام ومـقـاومـة مـفـتـريات خصومه، وصدر عنها مجلة باسمها هي لسان حالها، وفي عـام 1349 هـ صـدرت مـجـلة (نور الإسلام - الأزهر حالياً) وتولى رئاسة تحريرها فترة طويلة . وفي عام 1351 منح الجنـسـية المصرية ثـم صـار عـضـواً بالمجمع اللغوي . ثم تولى رئاسة تحرير مجلة (لواء الإسلام) مدة . وفي عام 1370 تـقـدم بطـلـب عضوية جمعية كبار العلماء فنالها ببحثه (القياس في اللغة) وفي 21/12/1371 هـ تـولـى مـشـيـخـة الأزهـر وفـي ذهـنـه رسالة طالما تمنى قيام الأزهر بها، وتحمل هذا العبء بصبر وجد وفي عهده أرسل وعاظ من الأزهر إلى السودان ولاسيما جنوبه، وكان يـصـدر رأي الإسـلام في المواقـف الحاسـمـة، وعمل على اتصال الأزهر بالمجتمع واستمر على هذا المنوال، ولما لـم يـكـن للأزهـر مـا أراد أبـى إلا الاستقالة .ولابد من ختم هذا المقالة بذكر بعض من المواقف الجريئة التي تدل على شجاعته ، وأنه لا يخشى في قول الحق لومة لائم شأنه شأن غيره من علماء السلف الذين صدعوا بالحق في وجه الطغيان في كل زمان ومكان . 1- حينما كان في تونس لم تمنعه وظيفته من القيام بواجبه في الدعوة والإصلاح بالرغم من أن الاستعمار ينيخ بكلكله على البلاد ، فقد ألقى في نادي (قدماء مدرسة الصادقية) عام 1324 محاضرته (الحرية في الإسلام) والتي قال فيها :(إن الأمة التي بليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها ، أو حكومة جائرة تسوقها بسوط الاستبداد هي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد وننفي عنها لقب الحرية) .ثم بيّن حقيقتي الشورى والمساواة ، ثم تحدث عن حق الناس في حفظ الأموال والأعراض والدماء والدين وخطاب الأمراء . ثم بيّن الآثار السيئة للاستبداد وهذه المحاضرة من دراساته التي تدل على شجاعته وعلى نزعته المبكرة للحرية المسؤولة وفهمه لمنهج الإسلام فهماً راقياً سليماً .2- وفي عام 1326 عرضت عليه السلطة المستعمرة الاشتراك في المحكمة المختلطة الـتـي يكون أحد طرفيها أجنبياً . فرفض أن يكون قاضياً أو مستشاراً في ظل الاستعمار . ولخدمة مصالحه وتحت إمرة قانون لا يحكم بما أنزل الله .3- ولا أزال أذكر ما قصه علينا أستاذ أزهري كان آنذاك طالباً في أصول الدين إبان رئاسة الشيخ للأزهر ، حين دعا أحد أعضاء مجلس الثورة إلى مساواة الجنسين في الميراث ، ولما علم الشيخ بذلك اتصل بهم وأنذرهم إن لم يتراجعوا عن ما قيل فإنه سيلبس كفنه ويستنفر الشعب لزلزلة الحكومة لاعتدائها على حكم من أحكام الله ، فكان له ما أراد .أواخر حياتهواستمر الشيخ محمد الخضر حسين -رحمه الله- في أواخر حياته يلقي المحاضرات ويمد المجلات والصحف بمقالاته ودراساته الـقـيمة، بالرغم مما اعتراه من كبر السن والحاجة إلى الراحة وهذا ليس غريباً عمن عرفنا مشوار حياته المليء بالجد والاجتهاد والجهاد .وكان أمله أن يرى الأمة متحدة ومتضامنة لتكون كما أراد الله خير أمة أخرجت للناس، وحسبه أنه قدم الكثير مما لانجده عند الكثير من علماء هذا الزمان .وفي عام 1377 هـ انتقل إلي رحاب الله ، ودفن في مقبرة أصدقائه آل تيمور جزاه الله عن الإسلام خير الجزاء ، ورحمه رحمة واسعة ، وعفا الله عنا وعنه ..........................

vendredi 2 novembre 2012

نصرة الحقّ تشرق بهدي محمّد


نصرة الحقّ تشرق بهدي محمّد
(عليه السلام)
نبدأ بحمـد الرّحمــــــان... بعد استعــــاذة لـــلـــــــــقرآن
أب قـد كُتِبـت بِمِفْرَقـِــهِ... حكـــــايــةُ  خيــر الإنســـــان
ربّ، إلـــــه وحّده.. فتعـــالى باسمــــه صوت رنّـــــــان
يعـــلــــو منبره للحـــق...ويشدينــــــا بالهدي الربــــاني
قـــال الله وقــــال رسولـــــــه.. منـــهجه إذا همّ بيــــــان
ورقرقة في العين بدمع.. إن قال طه المجتبى العدنـــــان
جمع المسلمين بهمّة.. في عيد جمعة، ناصر برضــــوان
وللحق قد حشد جندا... فامض أبتــــاهُ يرعاك المنّــــــان
وللميـــم معــــنا حكايته... فاستمع أخــــــــــا الإنســـــان
كتاب قرأ، متــــــن شرح... أكرم به محمّد من شـــــــان
من اسم الحبيب له شرف.. وقد نـــــال الشّرف مُذْ زمان
نهل من العـــــلم أعلاه.. قدرا، وجــــلاء لهمّ وأحـــــزان
كتـــــــاب الله يجوّده... صــــدح به إذ عمّ البهتـــــــــــان
أخلاق نبي لها رجع.. صلّى عليه الله ،ملائك، وإنســــان
وإن تسألني عن الهاء وهمّتها.. فهاك أخي من كان وكان
تفيض قلوبنا بالهُدَى قوّة... له في القلب بهجة ونـــوران
ظلّ ظليل وأخت عطوف... وكرم أصل ورفعة شـــــــــان
بآي الله قد شغفت ... وحبّ لرســــــول سيد الأكــــــوان
فأعل يا ربّ همتها...و اجعل  الخير لــــها  في المـيزان
لها باب للدنيا وخيرها... وللأخرى ناظرة لها ثــــــــــان
وإن تأتي للشّين فشمّاءُ... ولغير الله لا تحمل الرّكبـــــان
مُذْ زمن قد صــاغت وجهتها.. ولرب جليل  لها عــهدان
مفتــــــاح خـــير، مغلاق شرّ.. يد بالخير تمتدّ ولســــــــان
خسـر والله عبــد.. قد آذى أخـــا في موطـن أو ثـــــــــــان
وللحقّ دوما بمرصد... تقفـــــــــو ركـــب نبيّ الأزمـــــان
فأصلح يا ربّ سريرتها... ظاهر منها، فعل، وقول لسـان
واجعل خطاها في درب الخير.. شروقا لا يخشى الكـهـّاّن
إلــــــــهي هذي حـكايتنا.. فاحفظـــنا من كـــيد الشيطـــان
ونفــــس بالسّوء قد أمــرت... الغوث الغوث يا رحمـــان
وارزقـــنا حبـــك يا ربّ... وقربا من بابـــك يا منّــــــان
واختم بالخير آجالنا .. موعدنا عندك في أعلى الجنـــان
مع الحبيب وصحبه... وخير سلــف وتــــابع وإنســـان

من انتاج ابنتي شروق نوفمبر 2012







عمر بن الخطاب رضي الله عنه والقضاء خطبة2نوفمبر2012



خطبة 2نوفمبر 2012عمر و القضاء
في رسالة عمر بن الخطاب الشهيرة إلي أبي موسي الأشعري وضع عمر فيها دستوراً للقاضي المسلم في نظام القضاء والتقاضي .
لنقرأ نصها سوياً لنري عظمة الإسلام كما سوف نري عبقرية فذة و آفاق معرفية عند أحد التلاميذ النجباء لرسول الله (صلى الله عليه وسلم ) .
بسم الله الرحمن الرحيم
§         من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلي عبد الله بن قيس أبي موسي الأشعري إنه الصحابي الجليل عبدالله بن قيس بن سليم، المعروف بأبي موسى الأشعري، وقد رزقه الله صوتًا عَذْبًا فكان من أحسنِ الصحابة صوتًا في قراءة القرآن، قال عنه الرسول (: (لقد أُعْطِىَ أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود) [النسائي]. وكان أبو موسى بحرًا في العلم والفقه وأمور الدين، فقد قال عنه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حين سُئِلَ عن علمه: صُبغ في العلم صبغة.
وغزا أبو موسى بالبصريين ابتغاء الأجر والثواب من الله -عز وجل-، فافتتح الأهواز، كما فتح الرها وسميساط وغير ذلك، وظل واليًا على البصرة في خلافة عثمان بن عفان حتى طلب أهل الكوفة من أمير المؤمنين أن يوليه عليهم، فوافق الخليفة عثمان على ذلك، وأقرَّه أميرًا على الكوفة.
ومكث أبو موسى في إمارة الكوفة حتى استشهد عثمان -رضي الله عنه-، وجاء من بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، فعاد أبو موسى إلى مكة المكرمة، وعكف على العبادة والصلاة حتى توفي -رضي الله عنه- سنة (42) من الهجرة. وعن أبي مجلز قال: قال أبو موسى: إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي حياء من ربي عز وجل.
§         وعن قسامة بن زهير قال: خطبنا أبو موسى فقال: أيها الناس، ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت.
 وكان أبو موسى -رضي الله عنه- متواضعًا، يروى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ولاه إمارة البصرة، فقال أبو موسى لأهلها حين وصل إليهم: بعثني إليكم أمير المؤمنين أعلِّمكم كتاب ربكم -عز وجل- وسنة نبيكم (، وأنظف لكم طرقكم. فتعجب القوم إذ كيف ينظف الأمير طرق المدينة
.سلام عليك أما بعد :
فإن القضاء فريضة محكمة  قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون} [المائدة: 8].و سنة متبعة   في الحديث القدسي أنه قال: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْـمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلاَ تَظَالـَمُوا"[1فافهم إذا أُوليَ إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. قال النبي http://islamstory.com/sites/all/themes/islamstory/images/r_20.jpg: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْـحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ"[6].
آس بين الناس في وجهك (أي اعدل) ، وعدلك و مجلسك حتي لا يطمع شريف في حيفك (أي ظلمك) و لا ييأس ضعيف من عدلك ..
البينة علي من ادعي و اليمين علي من أنكر ، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً .
لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه عقلك ، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلي الحق فإن الحق قديم و مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل .
الفهم الفهم فيما تلجلج فيه صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة ، ثم اعرف الأشباه والأمثال ، فقس الأمور عند ذلك ، واعمد إلي أقربها إلي الله و أشبهها بالحق و اجعل لمن ادعي حقاً غائباً أو بينة أمداً ينتهي إليه ، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه و إلا استحللت عليه القضية فإنه أنقي للشك و أجلي للعمي .
فإن المسلمين عدول (هو المثل و النظير) بعضهم علي بعض ،  إلا مجلوداً في حد أو مُجرّباً عليه شهادة زور ، فإن الله تولى منكم السرائر و درأ (دفع) بالبينات و الإيمان . المعنى: الأصل في المسلم أن يكون مقبولا عندما يشهد على أخيه المسلم لأنه يتوخى العدل، ولا يستثنى من ذلك إلا من جلد في حد أو شهد شهادة زور والله سبحانه وتعالى يعلم ما يخفي الإنسان، وقد أتاح اللُه للإنسان دفع التهم بالأيمان والبينات الواضحات.
و إياك و الغلق (أي ضيق الصدر و قلة الصبر) و الضجر و التأذي للخصوم والتنكر عند الخصومات المعنى: ينهى عمر أبا موسى الأشعري عن ضيق صدره بالخصوم وقلة صبره عندما تبسط القضايا وتتشعب.
فإن القضاء في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذخر ،المعنى: إن ما يبذله القاضي من تثبيت للحق بين المتخاصمين يحفظه

الله له ويجعله زينة لأعماله الطيبة.  فمن صحت نيته و أقبل علي نفسه كفاه الله ما بينه و بين الناس و من تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله .  ومن أظهر للناس خلقاً يخالف نيته وما أضمر في نفسه فإن الله سيجعله قبيحاً في أعين الناس ويهتك ستره. .
فما ظنك بثواب الله عز و جل في عاجل رزقه و خزائن رحمته و السلام .
إن عندي من اليقين أنه لو لم يكن من مناقب بن الخطاب (رضي الله عنه ) إلا هذه لكفته  وعُد عندئذ من كبار المنظرين و المفكرين و المشرعين .